Similar ebooks

 هذه المجموعة تقدم مشاهدات من حروب مختلفة كان جيل الكاتب إما شاهداً عليها وضحية لها، أو خاض غمارها. وتمتد من هزيمة حزيران التي تم تجميلها بتسميتها "النكسة"، مروراً بكل الحروب الأخرى التي لم تنتهِ بالحرب الأخيرة الدائرة رحاها الآن. تقدم القصص المطروحة في هذه المجموعة حالات إنسانية مختلفة يمر بها إنسان الحرب، والتي أصبحت سورية أشبه ما تكون بمختبر عملي لها لكثرة ما عانى أهلها من ويلات الحرب، فيها معاناة طفل الحرب الذي اقتلع من بيته وملعب طفولته ليبدأ رحيلاً لن ينتهي أغلب الظن بعودة ما، طفل الحرب الذي ألفها وتعايش معها لاحقاً ليصبح ضحية من نوع آخر؛ حين تتحول الشظايا التي خصصت للقتل إلى ثروة نقدية ابتكرها عقله البريء، ومن ثم يصبح عنصراً في هذه الحرب ليكون في هذه المرة ضحية على شكل مقاتل، فرضت عليه الظروف أن يوضع بين خياري (إما القاتل أو المقتول). لن تكفي قصص العالم كلها للتعبير عن الأهوال والمعاناة التي يعيشها الإنسان في الحروب، وهذه القصص هي نموذج بسيط منها على شكل عينات من مراحل مختلفة، ومع الأسف يبدو أن هذا الدفتر سيبقى مفتوحاً إلى أجل غير مسمى، وستنضم إلى صفحاته قصص أكثر مأساوية، لأن التجربة أثبتت أن المأساة على أرضنا تأخذ أشكالاً متصاعدة وتولد وجعاً يكبر أكثر في كل يوم. ويبدو من خلال المشهد الذي تجري أحداثه أننا سنجرب كل أشكال الوجع. 
ولأني حمقري (مزيج من الحمار والعبقري) فقد كنت أظن أن كل رجل ضاحك رجل هلّاس.. ولأني حمقري كنت أرفع شعارًا حمقريًّا «أنا أضحك إذن أنا سعيد»، وبعد فترة طويلة من الزمان اكتشفت أن العكس هو الصحيح، واكتشفت أن كل رجل ضاحك رجل بائس، وأنه مقابل كل ضحكة تقرقع على لسانه تقرقع مأساة داخل أحشائه، وأنه مقابل كل ضحكة ترتسم على شفتيه تنحدر دمعة داخل قلبه.. ولكن هناك حزن هلفوت، وهناك أيضًا حزن مقدس.. وصاحب الحزن الهلفوت يحمله على رأسه ويدور به على الناس.. التقطيبة على الجبين، والرعشة في أرنبة الأنف، والدمعة على الخدين.. يالاللي! وهو يدور بها على خلق الله يبيع لهم أحزانه، وهو بعد فترة يكون قد باع رصيده من الأحزان وتخفف، ويفارقه الحزن وتبقى آثاره على الوجه، اكسسوارًا يرتديه الحزين الهلفوت ويسترزق..
لكن الحزن المقدس حزن عظيم، والحزن العظيم نتيجة هموم عظيمة، والهموم العظيمة لا تسكن إلا نفوسًا أعظم.. والنفوس الأعظم تغلق نفسها على همها وتمضي.. وهي تظل إلى آخر لحظة في الحياة تأكل الحزن والحزن يأكل منها، ويمضي الإنسان صاحب الحزن العظيم - ككل شيء في الحياة - يأكل ويؤكل، ولكن مثله لا يذاع له سر، وقد يمضي بسره إلى قبره! ولذلك يقال: ما أسهل أن تبكي وما أصعب أن تضحك.
ولكن هناك أيضًا ضحك مقدس، وهناك ضحك هلفوت.. الضاحك إذا كان حزينًا في الأعماق صار عبقريًّا، وإذا كان مجدبًا من الداخل أصبح بلياتشو يستحق اللطم على قفاه! ونحن أكثر الشعوب حظًّا في إنتاج المضحكين.. مصر العظيمة كان لها في كل جيل عشرات من المضحكين، ولقد استطاع بعضهم أن يخلد ولمع بعضهم حينًا ثم فرقع كبالونة منتفخة بالهواء، بعضهم أصيل وبعضهم فالصو، بعضهم مثل الذهب البندقي وبعضهم مثل الذهب القشرة
 كانت القرية، دائماً، رمز البساطة في نظام حياتها وفي التركيبة النفسية للقرويين، الذين نادراً ما يعانون مما يسمى "فوبيا" أو "مانيا"، ويتقبلون كل ما يجري معهم كأمر طبيعي مهما كان قاسياً.

كان هذا في تلك الحقب الزمنية التي كان فيها الزرع يطعم من يعمل بالأرض، ويوفر له فائضاً للبيع يؤمِّن له جزءاً مهمَّاً من تكاليف حياته. أمَّا بعد أن أصبحت الزراعة عملاً خاسراً، وفي بعض الأحيان عبئاً ثقيلاً على الفلاح لا يوفر لصاحبه أدنى مقومات الحياة، فقد اختلطت القرية مع المدينة بفعل الهجرة التي تسببت بها مختلف الأزمات، ما ولَّد مفارقات حادة بطلها ذلك الانسان الذي فُرض عليه في المدينة نمط حياة جديد، وفي الوقت نفسه بقيت عاداته وتقاليده وارتباطاته بالقرية متينة، الأمر الذي ولَّد لديه ازدواجية جعلته شخصية ثرية ومتنوعة العناصر. هذا الاحتكاك الذي حصل عبر الهجرات، وكذلك بفعل التطور التكنولوجي الكبير الذي حصل، نقل أيضاً جزءاً من المدينة بعلاقاتها ونمط حياتها إلى القرية، مما شكل صدمة لجزء من القرويين الذين ظل تفكيرهم مبنياً على نمط العلاقات الريفية القديمة.

كل ذلك شكَّل، وما زال يشكِّل، مصدراً مهمَّاً للأدب والدراما. في هذا الكتاب عدد من تلك الحكايات التي تجري أحداثها في قرية أم الطنافس، وهو اسم اتخذ ليكون رمزاً للقرية في جميع الأعمال التي تم التطرق خلالها إلى القرية. هذا سيكون دفتر القرية الأول وسيعقبه في المستقبل دفاتر أخرى، لأن حكايات القرية لا تنضب.

 الجدل الذي دار على صفحات الصحف والمجلات والندوات التلفزيونية حول مسلسل الزير سالم نقل هذا المسلسل من كونه مادة ترفيهية تنتهي عند (يعجبني أو لا يعجبني)، إلى كونه مادة ثقافية يحتاج نقاشها إلى مرجعية معرفية.كانت النهاية التي انتهى إليها الزير سالم في المسلسل من أكثر الموضوعات المثيرة للجدل. فالسيرة الشعبية تنتهي عند انتصار الزير وتمكن الجرو من قتل خاله جساس وإذلال بني بكر. لكن التاريخ لا يتوقف عند المزاج الشعبي التي تتفاعل معه السيرة. 
الناس يدافعون عن الصورة النمطية التي في أذهانهم عن البطل. والحقيقة التاريخية تخرب هذه الصورة وتشوهها. ولذلك فإن إنكار هذه الحقيقة أسهل عليهم من تقبلها. ويأتي الإنكار إما من خلال اتهامنا بالتزوير، أو بالتحريف من أجل الإسقاط، أو بالجهل بالتاريخ أو بالسيرة. ناهيك عن الاتهام بمعاداة الأمة وتشويه صور أبطالها.
هذا كله ولّد لنا فرصة لمناقشة جدية حول الدراما وعلاقتها بالتاريخ وبالسيرة الشعبية، من خلال الرد على بعض الطروحات، لعل هذه المناقشة تعود بفائدة ما على القارئ، وتلقي الضوء على بعض الالتباسات التي حدثت.
مجموعة قصصية

"قال الرجل ذلك وذهب. وقف الشاب والفتاة يتبادلان النظر سألها: أأنت مترددة مثل أبيك. فقالت بهدوء عذب: أنت
تعرف رأيي تماماً. أترغبين أن أنتظر حتى يتكشف لي الماضي. لا يهمني أن تهتدي إلى ماضيك أو أن يهتدي ماضيك إليك. أنا سعيد ولكن القلق يطاردني. وتحبني أليس كذلك. لا يربطني بهذا المكان إلا حبك. حسبنا ذلك. سأعمل وأتزوج ولكن والدك متردد. كلا، إني أعرف والدي تماماً. يخيّل إليّ أني نلت ثقته. أنت أهل للثقة. لندع الله يهيء لنا السعادة. لندعه من صميم قلوبنا. وفي شرفة الفيلا، فوق الجبل، جرى الحديث في ظلام دامس، سأل الشيخ الجالس فوق الكرسي الهزاز: ما وراءك. فأجاب الشيخ الماثل بين يديه: أواه صاحب الفندق. رجل طيب وداهية ماكر، وعمل كل ما يمكن عمله للاهتداء إلى هوايته. ولو لم ينظر الفتى في نفسه مباشرة! إنهم يفضلون الوسائل غير المباشرة. وثار فضول الناس. لم يعد يثيرني فضولهم. حسن، وظل مجهولاً كاللغز. تعني في نظر نفسه. طبعاً.. وكيف مضت القصة. ظهر الحب. من جديد".

فندق ونزلاء وخيال نجيب محفوظ يحلق باحثاً عن حكاية هي بلا بداية ولا نهاية. ولا ريب في أن نجيب محفوظ في حكايته تلك لم يغب الواقع عنه، إذ أنه، كان يكتب قصصه بعد تلمسها حقيقة على أرض الواقع، إذ أنه كان يعيش قصته في مناخاتها الحقيقية. لينسج وبشيء من الخيال إبداعاته التي تستمد أهميتها وانتشارها من واقعيتها. ونجيب محفوظ في حكايته هذه لم يبتعد عن منهجيته هذه، وما أبطال تلك القصة إلا أشخاص حقيقيون، وما الأحداث إلا أحداث جرت على أرض الواقع.

لذا ومن خلال أسلوبه البسيط يشدك نجيب محفوظ لتتابع أحداث تلك القصة مركزاً على شخصياتها زينب علي عويس الشيخ محمود الشيخ عمار.. وغيرهم تلك الشخصيات التي وظفها نجيب محفوظ لتصوير المجتمع المصري في تلك الآونة، ليحاول من خلالها ومن خلال حواراتهم واسترسالاتهم تقديم نقد لما كان يخيم على ذلك المجتمع من أفكار وعادات وسلوكيات (عقدية اجتماعية سلوكية). وقد نجح الكاتب إلى حدّ كبير في حكايته تلك التي على الرغم من كونها بلا بداية ولا نهاية، فإنها أقحمت القارئ في ما بين سطورها متصوراً بداية ونهاية يحددها هو بنفسه.

أعني: إذا كان الأمر كذلك، فكم فقدنا من كرامتنا وتضامننا الانساني واحساسنا بانسانيتنا حتى صرنا نتعود الاذلال المحيط بنا، لنا ولغيرها؟! وحتى صرنا نقبل هذا العنف والتعامل غير الانساني الذي نعامل نحن به او يعامل به غيرها على مرأى منا في الحياة او حين نقرأ عنه او نراه على شاشات التلفزيون. (وسنتجاهل اننا نحن نعامل غيرنا احيانا بهذه الطريقة: اولادنا او مرؤوسينا او الذين يقعون بين ايدينا من اعدائنا مثلا، او السجناء الذين بين ايدينا، مفترضا ان بعض من يقومون بهذه المهمات يمكن ان يقرؤوا ما اكتب).
وينعكس تعودنا على هذا الاذلال في اننا صرنا نتعد ان تعذيب السجين امر مفروغ منه. لم نعد نتساءل عن اثر ذلك التعذيب في السجين الضحية، حتى بعد خروجه من السجن، كما اننا لم نعد نتساءل عن اثر التعذيب في منفذه. وهل يستطيع بسهولة ان يعود الى حياته اليومية العادية بعد خروجه من غرفة التعذيب، كما لو انه خرج من المرحاض لكي يستأنف حياته.

وهذه هي اول مرة اجمع بها افكاري حول هذا الموضوع بعد محاولات عديدة ومقالات مبعثرة في اكثر من مكان 

 في المناسبات الكثيرة التي كانت تجري فيها الأحاديث عن هزيمة اليوم الخامس من حزيران (يونيو) سنة 1967, وعن مفاعيلها المستمرة وآثارها المتمادية في الحياة العربية, كنتُ أسمع رأياً يتكرّر ويقول بأنه من أصل المادة الغزيرة التي تم انتاجها كتابة في العالم العربي بعد الهزيمة، وتحت عناوين تنناول الهزيمة من وجوهها جميعاً تقريباً، لم يبق في الذاكرة الجمعية العربية (المثقفة على أقل تقدير) سوى ثلاثة أعمال هي: قصيدة نزار قباني "هوامش على دفتر النكسة", ومسرحية سعد الله ونّوس"حفلة سمر من أجل 5 حزيران", وكتابي "النقد الذاتي بعد الهزيمة". وأريد أن أضيف هنا أنه أثناء بعض تلك الأحاديث كانت الحميَّة تأخذ, أحياناً, السوريين من الموجودين باتجاه لفت انتباه الجميع إلى أن الأعمال المذكورة كلها خرجت من سوريا، أي أنها جاءت بقلم شاعر سوري وبقلم مسرحي سوري وبقلم مُفكّر سوري, مع الإعتراف الفوري بفضل لبنان الكبير، وبيروت تحديداً، عليهم وعلى أمثالهم جميعاً.

 

 


"اضطروا للانتظار على الرصيف أكثر من ساعتين. أكلوا فلافل ومخللات، وتركوا حصة ابن مالك ملفوفة في ورق الجرائد. أما الصورتان اللتان جاء بهما، فقد كانتا من حجم واحد. يظهر عبد الناصر في الأولى، وهو ينظر إلى اليسار، وقد ارتسمت ابتسامة عريضة على شفتيه، أما في الثانية فيمشي بالطول الكامل، وحيداً، وضاحكاً، وهو يخطو برجله اليمنى إلى الأمام ويرفع اليسرى قليلاً، استعداداً للمتابعة. كان واضحاً أنها التقطت على أساس عاطفي، وقد حاول المصور فيها أن يجسد بالأحماض والعدسة، تلك العلاقة التي تربط القائد بالناس. فمن الواضح، أنه يسير نحوهم، وأنهم يحتشدون خلف الورق الأبيض المقوى (فيما بعد سوف تتحول مشية عبد الناصر المرتجلة وضحكته البيضاء إلى نموذج يسحر شباب السحاقيات الذين سيأتون إلى نازي حطاب، ليستخدم أقصى طاقاته الفنية من أجل التقاط الصور لهم، وهم ينفذون تلك المشية الرئاسية السامية، قال حليم لابن مالك: "كثر خيرك، كنا تبهدلنا لولاك". فشعر ابن مالك بالاعتذار، لا لأنه أنقذ اللجنة من ورطة فقط، وإنما لشعوره بالقرابة مع الرئيس فلم يعنه في يوم من الأيام، الخداع والرياء اللذان يظهرهما كثيرون في حبه، لأن ميثاقه الشخصي معه مكتوب بلغة تشبه رباط المشيمة. "أنا أحبك" همس من أعماقه للوجه الحنطي. (في تلك الليلة، حلم أنهما وقفا معاً أمام كاميرا نازي، وكان شعر الرئيس أسود كالليل، وحين التفتا إلى اليمين، رفعا أيديهما لتحية الناس. ثم رآه يلقي كلمة، وهو بالزي العسكري أمام حشود كالنحل، تهتف وتهلل وترفع الأيدي. وهو يقول: أيها الأخوة المواطنون، رأى نفسه جالساً في السيارة المكشوفة قربه، وحين حملوها انقلبت، فاستيقظ، وصار يقول: "خير إن شاء الله"."

يحمل الروائي ممدوح عزام روايته تلك أحلام وآمال ومأساة جيل الخمسينات، من ذروة الفرجة بالوحدة بانتصار الإنسان العربي برئيس حمل أحلامهم وجعله تحقيقها عهداً على نفسه. تتداخل الأحداث الحياتية لشخصيات الرواية بالأحداث السياسية التي رافقت فترة الخمسينات، قصص عاطفية ومشاكل شخصية واجتماعية تزخر بها الرواية ليقدم الروائي من خلالها صورة صادقة لمجتمع "السحاقيات" في تلك الفترة.
 ترددت بداية في استكمال قراءة الحكايات التي دفع بها الراوي إليَّ؛ كان وصف الألم يفوق قدرتي على التحمل، وكان السؤال: هذا ألم القارئ، فما بالك بألم المفعول به؟ لكنني قررت أن أقرأ للنهاية، كيف لا وأنا من يدعو الناس إلى توثيق كل هذه الجرائم؟ شعرت أن القراءة في هذه الحالة فريضة؛ علينا أن نوثق لكل ما جرى وما يجري، وأن نحفظ أسماء الجناة والضحايا، فإذا لم يكن في مقدرونا أن ننصب لهم المحاكم، فليفعل ذلك من يأتي بعدنا. إنه عبرة التاريخ لمن شاء النصر.

اقرأوا جيداً ما تحمله هذه الأوراق، لا تهتموا كثيرا بالأفكار والإيديولوجيات والمذاهب، اقرأوها بصفتكم الإنسانية. فكروا كيف يمكن أن نداوي الجراح، ونخفف الألم، وكيف يمكن أن نجنب الأجيال اللاحقة ما وقع في زماننا. انصروا الضحايا ولو بالإنصات إلى حكاياتهم.

أسعد طه

 .​*​        *          ​*

يكتب خليفة الخضر، الحائز على جائزة سمير قصير لحرية الصحافة 2017، بعضاً من مشاهد الخوف في تفاصيل تجربته في سجون داعش في مدينة الباب، وهروبه من السجن، ثم عودته إليه بإرادته لاحقاً بعد طرد داعش من المدينة.

خليفة لا يحدثنا عن داعش من الخارج، هو أقام في بطن الغول، وخرج ليروي بعضاً مما شاهده وسمعه وعايشه...

انطلاقاً من هذه الأمنية في أن يقرأ كل العرب ما يستطيعون قراءته من التراث القديم إلى الآثار الحديثة، رجعت إلى (رسالة الغفران) لوضعها بين أيدي كبار الدارسين ومُتَوسِّطيهم ومَنْ هُمْ دونَ ذلك. لكن كيف نعود إليها بشغفٍ ولهفةٍ وقدرةٍ على الاستفادة منها بعدما ابتعد عنها القراءُ حتى لم يبقَ لها مكانٌ إلا في أقصى زوايا المكتبات لأنه لا يمكن قراءتها مهما أغرينا الناسَ بقراءتها؟ ألن ينفُروا منها ويفِرُّوا عنها فِرارَهم من همٍّ  ثقيلِ حتى لو أعطيتَهم أجراً مُجزِياً على قراءتها؟ وهنا خطرت لي فكرة أرجو أن تلاقي صداها الطيبَ عند الناس وعند طلاب الثقافة وهي القيامُ بــ (إعادة صياغتها).   

وكان لا بد من إيراد نص (رسالة ابن القارح) لأن رسالة الغفران كانت رداً عليها. ولا يمكن فهم (الغفران) دون الوقوف عند رسالة (ابن القارح). وقد عاملتها بالطريقة ذاتها من إعادة الصياغة حتى تنسجم الرسالتان مع بعضهما البعض.

          وإعادةُ الصياغة تعني أنني قمتُ بما يلي:

          1- استبدلتُ الكلماتِ الغريبة البائدة بألفاظ عادية يفهمها القارئ العادي. وهذا الاستبدالُ تمَّ مع الحرص الشديد في المُحافظةِ على نَسَقِ تركيبِ الجملة عند المعري وعلى تشبيهاته الرائعة التي تنبئ عن مخيلة واسعة. وبهذه الطريقة التي اتَّبعناها تجلَّى جمالُ أسلوبه الذي يتفرَّدُ به في عصره ويلتزم فيه بما هو متعارَفٌ عليه من أصول التأليف في عصره وبين أقرانه. فكانت إعادةُ صياغتنا لها أشبهَ بجلاء الحِلْيَة الذهبية الــمُغْبَرَّةِ ليعود إليها بريقُها. وهذا ما فعلناه أيضاً في إعادة صياغة رسالة ابن القارح.

          2- لكن ذلك لم يمنعني من إعادة صياغة بعض التراكيب والجمل بحيث تتخلَّص من مُعاظَلتها التي كان بعضُها دليلَ الفصاحة والبلاغة في ذلك العصر. وحوَّلتُها إلى تراكيبَ وجملٍ سهلة هي مقياس الفصاحة والبلاغة في هذا العصر. وذلك دون الإخلال بأسلوب المعري أو بأسلوب ابن القارح.

          ومن أصعب المشاكل التي واجهتني في إعادة صياغة التراكيب والجمل مشكلة إحالات الضمائر إلى مَنْ تعود إليه. وابن القارح أشدُّ تعقيداً من المعري في التعامل مع الضمائر.

          وكثير من هذه الجمل والتراكيب وقف عندها دارسو (الغفران) و(رسالة ابن القارح) ومحققو الرسالتين وقالوا: (إنَّ المعنى غير مفهوم). وقد حاولت جهدي أن لا أترك جملةً غير مفهومة. فتحايلت عليها لأصل إلى معناها من سياق الكلام ومن الفكرة التي يناقشها ابن القارح أو المعري.

          3- يعالج المعري على الخصوص – ومثله ابن القارح - عشراتٍ من القضايا النحوية والعروضية واللغوية بحسب طرائق عصره في معالجتها. ومثلُ هذه المعالجات تختلف في كثير أو قليل عن طريقة معالجاتنا لها في العصر الحديث. وقد عالجتُها بطرائقنا المعاصِرة بحيث يَفهمها طالبُ المرحلة الثانوية كما يفهمها الطالبُ الجامعي وطالبُ الدراسات العليا.

          3- لا يمكن إجراءُ مثل هذه التغييرات على الشعر. فأبقيت عليه لأنه لا يحِقُّ لنا المَساسُ به. لكني قدمت شرحاً وافياً لكل بيت شعري إنْ كان غير واضح المعنى. وهو أمر كثيراً ما هرب منه مَنْ سبقني

في تحقيق (الغفران) أو (رسالة ابن القارح).

          4- حَرَصْتُ الحرصَ كله على أنْ لا أحذف شيئاً من الرسالتين. لكن بعض الجمل والتراكيب لم أتمكَّن من الوصول إلى معانيها كما لم يتمكن غيري من الوصول إليها، خاصة وأن المعري أتى بها على سبيل الأمثولة إغراقاً في استعمال مَيِّتِ الألفاظ. فحذفتها. وهي في مجموعها لا تزيد عن خمسين سطراً أو أكثر بقليل.

          وتظهر أهمية هذا الحرص على نص الرسالتين إذا تذكرنا أن (كامل الكيلاني) قدَّمَ في ثلاثينات القرن العشرين (نصاً مُختصراً) للرسالتين. واعتبر النقاد والدارسون عمله إنجازاً مُهِمَّاً في تخليصهما – والغفران على الخصوص - مِن كثير من تشعبات الأفكار والشواهد والحكايات والأشعار التي أورداها. واعتبروا أن هذه التشعبات تُــبْعِد الرسالتين عن أفهام القراء. وإذا كان ما فعله الكيلاني قبل ما يزيد عن ثمانين عاماً نفع وأفاد، فلأن قراء العربية كانوا أكثر قرباً من التراث وأكثر قدرة على التعامل معه من قراء العربية اليوم بعدما ابتعد التراثُ عنهم بعداً كبيراً لأسباب ليس هذا المكان موضعاً لشرحها. لكن ما فعله الكيلاني يبدو اليوم محدود الفاعلية لأن الرسالتين ظلتا في ثوب غرائب الألفاظ وأمواتها، كما جعلهما ناقصتين نقصاً كبيراً يؤذيهما. والأهم من هذا أنه ابتعد عن أسلوبي الرجلين في الانتقال من موضوع إلى موضوع دون روابط متينة في أغلب الأحيان. وهذا الانتقال الذي يقتضيه الإملاءُ، كان أسلوبَ الكُتَّابِ في ذلك العصر. فكان هذا الاختصار الذي قام به الكيلاني – رغم شكرنا له – إخراجاً للرسالتين مِن سياق عصرهما. ولعل ما قمنا به من إعادة الصياغة يُعيدُ الرسالتين إلى الحياة، ويحافظ على بنيتهما بشكل كامل.

وقد يأتي بعدنا مَنْ ينتقد عملنا ويعتبره مناسِباً لعصرنا وغيرَ مناسب لعصره. فيبتكر طريقة أخرى للتعامل مع الرسالتين لتظل (الغفران) أثراً متألِّقاً بين أيدي القراء. فإذا تم ذلك، فسوف يكون ما توقَّعناه وأَمِلْنا به دليلاً على حيوية الثقافة العربية وقدرتِها على التجدُّد، كما هو دليل على أهمية (الغفران) في تراثنا العربي وفي ضرورتها لاستكمالِ جانبٍ من ثقافتنا.


 في نهاية الكتاب, العام 1914, يقول دميان لصديقه سنكلير:

"ستقع الحرب حتماً.. ولكن سوف ترى يا سنكلير أنها لن تكون سوى البداية. لربما ستكون حربا كبيرة كبيرة, لكنها أيضا لن تكون سوى البداية. إن زمنا جديدا يبدأ, وسيبزغ منه عالم جديد مخيف. مخيف لأولئك الذين لا يزالون مرتبطين بالماضي. وأنت, ما الذي ستفعله؟"

كتب هيسه رواية "دميان" بنثر ملتهب وهو في أوج نضوجه. إنه كتابٌ صغير الحجم, ولكن الكتب صغيرة الحجم هي التي تتمتع غالبا بالديناميكية الأكثر غنى. ومن الواضح أن هيسه قد أدرك أن عمله هذا إنما يتخذ سمة كونية.هذا ما يشهد عليه العنوان الفرعي للرواية والمبهم: "حكاية شباب". مبهم لأنه قد يشمل حكاية شباب بالمعنى الفردي, وكذلك حكاية جيل من الشباب. ولم يشأ هيسه أن تصدر الرواية حاملة إسمه, بل اختار لتوقيعها إسما مستعارا هو "سنكلير" المقتبس من عالم "هولدرلن", ولم يضع توقيعه عليها إلا منذ طبعتها العاشرة.

كانت "دميان" رواية لمست عصب المرحلة بدقة مثيرة, وصورت بحس معرفي صورة شبيبة بأكملها اعتقدت أنه قد نهض من بين صفوفها ذلك البطل الذي تجسدت فيه آمالها الأكثر عمقا.

يجد كثير من الناس أن السنوات التي قضوها في نشاط محموم لتحقيق طموح أعمى قد سلبتهم تلك السعادة وذلك الرضا اللذيْن كانوا يجدونهما في عملهم، كما يشعرون بأن ملامحهم الشخصية قد ضاعت فلم يعد يميزهم سوى نجاحات يركضون إليها و إخفاقات يخشونها؛ ولكن الأمل موجود، ويمكن أن  تلتمسه في عدد من القصص البسيطة و الخالدة في آن واحد.

 يصور الكاتب الدنماركي الشهير هانز كريستان أندرسون بإيجاز و براعة تحديات الحياة فيما يقدمه من كنوز الحكايات الخرافية للصغار والكبار جميعاً، واليوم نرى الدروس البليغة لهذه الحكايات الشعبية الكلاسيكية وهي تُطَبَّقُ بإبداع على تعقيدات مكان العمل في العصر الحديث.

يغوص كتاب " البط الدميم يذهب إلى العمل" إلى أعماق حكايات أندرسون الفطنة اللاذعة، و يأتي بدروس تحفز القارئ لأن يُقبل على عمله بقدر أكبر من الحماس والاستمتاع، وأن يسبغ على هذا العمل معنى أعمق، فيهيئ بذلك حياة عملية أجدى وأقوم. 

ستقرأ في هذا الكتاب عن:

- ملابس الإمبراطور الجديدة.

- البط الدميم.

- خنفس الروث.

- العندليب.

- القزم عند البقال.

- شجرة التنوب.

 

 

العبيكان للنشر

 من مقدمة صبحي حديدي

تجربة الشاعر الأردني أمجد ناصر هي بين الأبرز والأكثر نضجاً وانفتاحاً وتجدّداً في الجيل الشعري، العريض والتعددي والغنيّ، الذي صعد منذ أواسط السبعينيات وحمل هاجس العبور الشائك من النثر الشعري كما أطلقه وأشاعه ثمّ خلّفه جيل محمد الماغوط وأنسي الحاج وأدونيس ويوسف الخال، إلى شكل قصيدة النثر كما صرنا نقرأ نماذجه الرفيعة عند أمثال سليم بركات، عباس بيضون، سركون بولص، وليد خازندار، بول شاؤول، قاسم حداد، وديع سعادة، بسام حجار، نوري الجراح، سيف الرحبي، وبالطبع: أمجد ناصر. وإذْ أشعر ببهجة خاصّة أنّ مختاراته الشعرية التي أقدّم لها تصدر اليوم في بلدي سورية، وعن دار نشر عزيزة عليّ شخصياً، فإنّ لديّ في العمق العديد من الأسباب التي جعلتني أنحاز، بحماس صريح، إلى شعر ناصر:
1- لقد بدأ شاعر تفعيلة، وكتب نماذج متقدّمة في هذا الشكل خلال السنوات الأخيرة من عقد السبعينيات. وفي مجموعته الأولى، "مديح لمقهى آخر"، 1979، نقرأ عدداً من القصائد التي تفاجئنا - ولا تزال تفعل اليوم أيضاً - في مستوى نضجها الفنيّ، وهدوء نبرتها الإيقاعية، وذكاء استكشافها للطاقات الموسيقية الكامنة في عدد من التشكيلات التفعيلية، وبراعة تملُّصها من تبعات الشكل الأخرى (أنظمة التقفية، على سبيل المثال).

©2020 GoogleSite Terms of ServicePrivacyDevelopersArtistsAbout Google|Location: United StatesLanguage: English (United States)
By purchasing this item, you are transacting with Google Payments and agreeing to the Google Payments Terms of Service and Privacy Notice.