حفلة قديمة على القمر: ستة من كبار شعراء الحداثة الأميركيين

مركز الملك فيصل للبحوث والدراسات الإسلامية
8

شعر أميركي أم شعراء أميركيون؟

أميركا بلد التنوّع بكلّ تجلياته الظاهرية والفكرية؛ فهو خليط أجناس وإثنيات وثقافات وتقاليد وأديان، وحضارته تقوم على خلق بيئة إنسانية تتآلف مع جوهر الاختلاف والتعدّد والتغيّر؛ تلك السمات التي عنها ينجم النمو والازدهار على مختلف الصعد، ومنها يتشكّل قوس قزح من الجماليات الإبداعية.

الشعر الأميركي لا يشذّ عن هذه الخلطة السحريّة؛ فالتنوّع خاصيّة أصيلة فيه، بحيث إنّ البحث عن قواسم مشتركة بين شعراء هذه الهويّة أو بين مدارسهم النظريّة، يحيلنا ربما إلى الشعر الرديء فحسب؛ لأنّ الفرادة هي ما تميّز الشعر الجيّد في الذهنية النقدية الأميركية.

ويتمان وديكنسون اسمان عظيمان في الشعر الأميركي، عاشا في الزمن نفسه، غير أنّ شعريتهما على طرفَي نقيض، مثلما كانت شخصيتهما؛ فديكنسون كانت تقدّس العزلة والانفراد، وويتمان المُخالطة والرِّفاق. إمرسون، هو الآخر عاش في زمنهما، إنما في فلك فلسفته المتعالية. ثم لن ننسى إدغار آلن بو، الرومانسي الكبير، الخارج عن السِّرب، المتفرّد بعوالمه الشعرية والقصصية الغرائبية والسوداوية، الذي قال عنه وليم كارلوس وليامز بأنّ «الأدب الأميركي، به، به وحده، راسٍ على أرض صلبة». نزعة الاختلاف والتفرّد انسحبت على العقود اللاحقة، حيث يمكننا ملاحظة كيف أنّه في عشرينيات القرن العشرين، حين انفتح الروّاد من شعراء المدرسة التصويرية الأنغلو أميركية، على شعراء المدرسة الرمزية الفرنسية، ومن ثم الدادائية، والسوريالية، فإنهم انتهوا إلى ابتكار شعريات جديدة، تباينت أصوات أصحابها حتّى ضمن المدرسة الواحدة: عزرا باوند خرج عن الحركة التصويرية لعام 1912م إلى حركة الدواميّة؛ ووالاس ستيفنز انتبه إلى أنّ الأشياء ليست كلّها متساوية كيما تخضع للمواصفات التنظيرية نفسها؛ ووليم كارلوس وليامز أيضًا انسحب ليجدّد لغته الشعرية، ويطعّمها بالنكهة الأميركية الخالصة، القريبة من لغة عامة الناس، والمختلفة عما عدَّه اللغةَ الباليةَ للثقافة البريطانية؛ وكذلك الأمر مع ماريان مور، التي تفرَّدَ شعرُها بأسلوب خاص، ولم يحتفظ من التصويرية سوى بخاصيّة الكثافة ...إلخ. ولم يكتفِ الشعراء الطليعيون آنذاك بنافذتهم على أوربا، بل سارعوا إلى تشريع نافذة أخرى على الشرق الأقصى، منفتحين على شعراء الصين واليابان وقصيدة الهايكو، وهو ما يؤكِّد الميزةَ الراسخة في الشعرية الأميركية، وهي الاستعداد الهائل لاستيعاب الآخر، والقدرة الفَطِنة على الانفتاح واستثمار التنوّع.

ثمة ميزات أخرى للشعر الأميركي، بالغة الأهمية، كان لفت إليها الشاعر أُودن، من بينها مثلًا: العلاقة المضطربة بالطبيعة؛ ففي أميركا، حسب رأيه، لا يشجّع حجم القارّة أو الظروف المحيطة أو عامل المناخ، على الحميمية. أيضًا، هناك ميزة القلق التي تفسد علاقة الإنسان بماضيه ومستقبله. وينوّه أُودن بما جاء على لسان ألكسي دي توكوفيل (المؤرّخ والمنظّر السياسي الفرنسي) حول نوع الشعر الذي يمكن أن ينتجه مجتمع ديمقراطي؛ إذ يقول: «أنا مقتنع بأنّ الديمقراطية في النهاية تحوّل الخيال من كل ما هو خارجي بالنسبة إلى الإنسان، وتركّزه على الإنسان وحده. قد تلهي الدول الديمقراطية نفسها لبعض الوقت بالاهتمام بإنتاج الطبيعة، لكنها لا تتفاعل مع الواقع إلا عبر معاينتها لنفسها». لقد صدقت نبوءة توكوفيل؛ ففي المجتمع الأميركي، الإنسان، هو محور المِخيال الشعري، لا الطبيعة، ولكن بالطبع، مع وجود استثناءات تفرضها بصمة التنوّع الدامغة، وهي على كل حال، تجارب اهتمت بالطبيعة من خلال علاقتها الجدلية بالذّات، وبالإنسان المعاصر. ويعتقد أُودن أنّ لدى الأميركي إِيمَانًا خادعًا بالذّات، حيث توجد فعلًا عقلية أميركية جديدة في العالم واستثنائية، ولكنها ليست مُنتجَ النشاط السياسي الواعي، بقدر ما هي منتج الطبيعة، والبيئة الجديدة والفريدة للقارّة.

نستخلص من ملاحظات أُودن، أنّ عدم ارتباط الشعراء الأميركيين بالماضي، وبالطبيعة، يجعلهم يكتبون في فراغهم الخاصّ، ومن المؤكّد أنّ ما ينتجونه يكتسب في الحال، أصالته وضرورته. ويرجع ذلك أساسًا إلى أنهم لا يشعرون بأيّ ارتباط حقيقي بما أُنجِزَ من قبلُ، حتّى لو كانوا على دراية به. من هنا، تتوالد لدى الشاعر الأميركي عمومًا، البيئة النفسية المواتية ليكون متجددًا، وخلّاقًا، وميالًا إلى جاذبية القطيعة، لا الاستمرارية، ولا تثقل كاهله عقدة الذنب أو تحمله على الوفاء للتقاليد الأدبية الموروثة (أيضًا مع وجود استثناءات).

الشاعر الأميركي دونالد هول، يعتقد أنّ الهوية الشعرية الأميركية تشكّلت، عندما تنكّر الشعراء الشباب للتقاليد البريطانية المتحضّرة التي اعتنقها إليوت؛ إذ عندها فقط، استطاع الشعر الحرّ أن يجد له مكانًا، وكذلك اللغة العامية، ونموذجًا من الخيال الجديد، الذي استلزم وجوده نوعيات مختلفة من القراءات التي لا تهتم بالظواهر الخارجية بل بالتجربة الذاتيّة. في المقابل، الناقد كلينث بروكس، رأى أنّ الثورة على الشعراء الفيكتوريين، والتقليد الأدبي الإنجليزي بأكمله، قلّص قدرة الأميركيين على صنع شعر جديد. ويجادل بروكس، في أنّ ما جرى هو تقديم القشرة الخارجية من المواد الأميركية الحديثة على الفطائر التي هي أساسًا بقايا الأمس؛ بمعنى أنّ التجديد انشغل بالسطح فقط. وهو يرى أنّ إدخال السيّارات مثلًا، والكلام العاميّ إلى الشّعر، لا يضمن تلقائيًّا أنّ أي شيء آخر غير المفردات قد تغيّر؛ فقد أخفى التحوّل السطحي ركودًا أعمق.

 في كل الأحوال، نورد هذه الآراء المتباينة لتأكيد أنّ النقد أيضًا لم يشذّ عن خاصيّة التنوّع في الهويّة الثقافية الأميركية. الحداثة الشعرية الأميركية التي انطلقت بالثورة على الشّعر الرومانسي الأوربي، ومن ثم على الفصاحة في اللغة البريطانية، لا تزال مسيرتها الانتفاضية مستمرة إلى اليوم، وذلك بالثورة على مَنْ ثاروا من قبلُ، وبالثورة على نفسها جيلًا بعد جيل. إنّها ماضية في القطيعة مع الماضي، ومع سلطة الثقافة النخبوية. ولعلّ أكثر ما يلفت في الشعرية الأميركية المعاصرة، ظاهرة صفوف الكتابة الإبداعية، التي أصبحت متاحة اليوم في أوربا ومعظم دول العالم -الشاعر أُودن كان لفت إليها أيضًا- فهي إشارة إلى الثقافة الأميركية التي تسمح لكلّ شخص بأن يصبح شاعرًا من خلال التعلّم -ليس شاعرًا جيدًا في الأغلب- فمسألة إثبات الحضور باتت منوطة بمدى فرادة الشخص لا بمدى شاعريته؛ ذلك أنّ الشّعر الأميركي اليوم في رأينا، بات يعوّل أكثر فأكثر على طبيعة الشخصية، ولكل فرد بالطبع ما يميّز شخصيته، وفِي هذا الملعب تحديدًا، تكمن فرصته الشعرية.

بناءً على ما سبق، فإنّ الشعر في أميركا في كلّ مراحله، متعدد الأقطاب، وظاهرة أنّ المكانة الشعرية مرهونة قبل كلّ شيء بمدى التحليق خارج السّرب، أفرزت تنوعًا غنيًّا يشبه الخلطة السحرية لهذا المجتمع، القائم أساسًا على عدم التجانس الثقافي والاجتماعي. لذا ثمة ما يحملنا على التساؤل والشكّ: هل هناك شعر أميركي فعلًا، أم شعراء أميركيون؟

 

وقفات قصيرة في المحطّات الشعرية الست

هذا الكتاب هو بمنزلة جزء أول من سلسلة دراسات وترجمات -سنستكمل عرضها مستقبلًا في إصدارات لاحقة- تضيء جوانبَ من «المشهد البانورامي» لشعراء الحداثة الأميركيين، الذي يستحيل تطويقه برمّته. نتناول في هذا الجزء، ست تجارب شعرية فريدة وبارزة، أثّرت في مسار الحداثة في الشّعر الأميركي في القرن العشرين. نحاول من خلال إلقاء الضوء على مميزاتها، وخصوصية كل منها، ونماذج من أشعارها، الإحاطة بـ«بعض» ملامح الشعرية الأميركية في سياق تطورها، منذ انطلاق مرحلة الحداثة في أواخر القرن التاسع عشر حتّى النصف الأول من القرن العشرين، أي وصولًا إلى مرحلة ما بعد الحداثة التي انطلقت بعد نهاية الحرب العالمية الثانية.

ما من بداية للحداثة الشعرية الأميركية لا تبدأ من والت ويتمان؛ إنّه البداية التي صُدِّرَت إلى العالم. ومهما تعددت الدراسات التي تناولته سابقًا، فما من حبر يمكنه استيعاب هذه التجربة الفذّة، والمتمرّدة، والمفارِقة أسلوبًا ومحتوًى، والتي لا تفتأ تذكّرنا إلى اليوم بالحلم الأميركي الويتماني الضائع. تخلَّى ويتمان في أوراق العشب عن تقاليد الشّعر الرومانتيكي الذي كان سائدًا في القرن التاسع عشر، في أوربا وأميركا، مزعزعًا مفاهيمه على صعيدَي الشكلِ والمضمونِ، بحيث إنّ إعلاء شأن النزعة الفردية، والإدراك الحدسي، وتغليب الطبيعة، بوصفها مصدر الخير، على المجتمع الإنساني، بصفته مصدر الفساد؛ كلّها مفاهيم رومانسية انقلبت في شعرية ويتمان إلى إعلاء شأن النزعة الجماعية، والتفكير التحليلي، وإعادة الاعتبار للإنسان على اختلاف فئاته الاجتماعية، وبعيدًا من الأحكام الأخلاقية المسبقة. لقد تجاوز ويتمان شعراء زمنه أمثال: رالف والدو إمرسون، وإميلي ديكنسون، في منح الهوية الشعرية الأميركية خصوصيتها وفرادتها، وذلك عبر تثويرها، وفتح آفاقها على رؤى إنسانية تقدمية تنادي بالتعددية والمساواة وتقبّل الآخر المختلف. ومن نافلة القول: إنّ «أوراق العشب» مهّدت الطريق أمام أصوات مجددة برزت في أوائل العشرينيات من القرن الماضي، من خلال أعمال مثل: «الأرض الخراب» لتي. إس. إليوت، و«الأناشيد» لعزرا باوند، و«الهارمونيوم» (القدميّة) لوالاس ستيفنز. وبما أنّ تجربة ستيفنز لم تحظَ عربيًّا من خلال الترجمة، بالاهتمام الذي أحرزته تجربتا إليوت وباوند، ارتأينا التوقّف عندها في محطتنا الثانية؛ لتسليط الضوء عليها بإسهام متواضع، لسدّ ثغرة لا تزال كبيرة في جدارنا المعرفي.

سعى ستيفنز متأثرًا بقراءاته الفلسفية، وميله إلى مذهب الشكوكية، إلى استكشاف فلسفي للذّات، وعلاقتها بالواقع الخارجي. شِعرُه تمحور حول فرضيات متبادلة بين العالم الخارجي والخيال الإنساني. فالعالم المتجاوز لإدراك الإنسان، يتطلب منه التفعيل الجمالي للغة، مستعينًا بمخيلته من أجل فَهْم ما فيه. وتماشيًا مع فلسفة كانط، دافع ستيفنز عن دور اللغة المنتج للمعرفة، وغير المقتصر فقط على المحاكاة للأشياء. فالشّعر ليس مجرّد تعبير عن عالم خارجي أو تجميل له، بل هو تجسيد لحقيقة من صنعه الخاص (حقيقة تصنعها اللغة مستعينةً بالخيال). ثوّر ستيفنز المخيّلة لترى واقع الأشياء متجاوزة الواقع إلى ما هو أبعد وأعمق (ثار على «تصويرية» باوند)، ولذا أمعن في التجريد، والميتافيزيقيا، وتفرّد أسلوبه ليصبح صعب التقليد. الواقع بالنسبة إلى ستيفنز موجود في الخيال؛ والمعنى لا يقيم في الأشياء نفسها، بل فيما يُسقَط عليها بواسطة الطاقة الفنية والتخيلية للعقل البشري. مخيلة الإنسان هي عبقريته الوحيدة، والشّعر بهذا المعنى، هو احتفاء الخيال بطاقاته الإبداعية، ووسيلة لتوضيح غموض العالم. أَعْلَى ستيفنز من شأن الشعر ليحلّ مكان المقدّس، من دون أن يثقله بأيّ وِزْر أخلاقي.

في المدة نفسها التي انشغل فيها ستيفنز بنظريته عن الخيال، وهو الرجل المحافظ المقيم في برجه العاجي، في جنوب نيو إنغلاند، كانت مينا لُوْي، الشاعرة المتحررة، والفنانة التشكيلية الطليعية، والمرأة الجريئة والفاتنة والمثيرة للجدل، تخوض تجربتها الراديكالية من قلب مدينة نيويورك، أكثر مدن العالم تأججًا بالحراك الثقافي والفنيّ، وتلفت إليها أنظار كبار الشعراء والكتّاب والفنانين، أمثال: عزرا باوند، وغرترود شتاين، ومارسيل دوشامب، ووليم كارلوس وليامز، حتّى إنّ الأخير كان ذهب إلى تقسيم المشهد السيكولوجي لطليعة نيويورك في ذاك الوقت: إلى الجنوب «الديونيسوسي» التابع إلى مينا لوي (نسبة إلى ديونيسوس إله الخمر والخصوبة عند الإغريق)، والشمال المفرط الحساسية والاحتشام التابع لماريان مور. التمع نجم لوي في العشرينيات من القرن الماضي، ثم لاحقًا انطفأ، وجرى طمسه والتعتيم عليه، على غرار ما حدث لشعراء كثر كانوا فاعلين في تلك الآونة، ولكنّ قصائدهم في معظمها فُقدتْ على صفحات مجلات ودوريات سياسية صغيرة، ولا سيما تلك التي انتمت إلى اليسار السياسي، والتي تخلّصت منها المكتبات خلال الحقبة المكارثية اللاحقة في الخمسينيات. أخبرتنا السردية التي وصلتنا عن الحداثة، أنّ عزرا باوند، وتي إس إليوت، كانا الشاعرين الأكثر حداثة في اللغة الإنجليزية في حقبة الحرب العالمية الأولى. ولكن سيمضي أربعون عامًا على موت الشاعرة لوي، قبل أن يُعاد اكتشافها مجددًا، وينصفها النقد المعاصر، ويمنح تجربتها دورًا فاعلًا في تيارات حركة الحداثة الشعرية والتشكيلية، في الربع الأول من القرن العشرين، وأيضًا في الحركات النسوية. اخترناها لتكون محطتنا الثالثة، لتعريف القارئ العربي بموهبة أنثوية وحداثوية وأساسية وفاعلة، لم يسبق أن تُرجمت إلى العربية من قبل، على الرغم من فرادتها وأصالتها ودورها الريادي في الشعر الأميركي.

ستانلي كيونتز، شاعر آخر، اخترنا التوقّف عند تجربته الفذّة والغنيّة، نظرًا لدوره المتميّز، وأثره العميق في أجيال من شعراء الحداثة وما بعد الحداثة في أميركا. هذا المعلِّم، الذي لم يخنه الشّعر حتّى بعد بلوغه عمر المئة، إليه يعود الفضل في تأسيس بيت الشعراء في نيويورك، ومركز أشغال الفنون الجميلة في بروفينستاون من ولاية ماساتشوستس. وإليه كان يحمل شعراء، بينهم رَتْكي وغينسبرغ، قصائدهم ملتمسين النصح والإرشاد. كان كيونتز شاعرًا واسع الثقافة، وعميق المعرفة، ومطّلعًا على جميع الديانات بما فيها الإسلام. قدّره بلده كما لم يقدّر شاعرًا آخر من مجايليه، فمنحه منصب «شاعر البلاد» مرتين. وقف ضدّ الحروب الأميركية كلّها (ولا سيما غزو العراق)، وأحبّ الطبيعة والعناية بالأرض والنباتات، بحيث تداخلت لديه عناصر كتابة القصيدة بعناصر مهاراته الزراعية؛ فحديقة منزله في بروفينستاون كانت مَعْلمًا جماليًّا لا يقلّ أهمية عن جماليات قصائده نفسها، وقد ألّف فيها كتابًا شعريًّا / نثريًّا. شدّد كيونتز على أهمية عنصر الغموض في الشّعر، على غرار تضاريس حديقته التي شاءها متعرجة بممرات ملتوية، وشبّه اللاوعي بالبريّة، وعدَّه عالمًا لا يجوز ترويضه. شعره عكس فلسفته حول ترابط منظومة الخلق الكونية كلها مع بعضها فيما يشبه النسيج، بحيث إنّ حركة الموجودات والكائنات في أيّ مكان وزمان تؤدي إلى ارتعاش النسيج كلّه.

في محطتنا الخامسة نقف عند ثيودور رَتْكي، صديق الشاعر كيونتز، ومثله له مكانته المتفردة، وتأثيره البالغ في جيل لاحق من الشعراء الأميركيين البارزين؛ أمثال: روبرت بلاي، وكارولين كيزر، وجيمس رايت، وغيرهم. تميّز بخصوصية أسلوبه، الفائق الغنائية، والصارم التقنية، والبعيد من الزخرفة. عُدَّ من مجموعة الشعراء الاعترافيين؛ لانهماك أشعاره في عوالم الذّات، ولسبره عتمات طفولته، والنهل من سيرته الذاتية.

نظر رتكي إلى الشعر بوصفه محاكاة (منتهجًا مفهوم إليوت بخصوص «الاستيعاب والمحاكاة»)، وإعادة إنتاج للموروث الشعري، إنما بلغةٍ جديدة، تتخلّى عن الرومانسية، وتحاكي العصر، وتتجاوز الماضي الباذخ ولو بخطوة إلى الأمام. اعتمد في شعره تقنيات السرد الحديثة القائمة على تداعي تيار الوعي أو سيل الوعي، وحقق أداءً شعريًّا لافتًا، بأسلوب مترابط، سوريالي في أغلب الأحيان، يصوّر العقل في أوضاعه الأوليّة. تشمل الإضاءة على تجربة رتكي ثلاث ميّزات؛ الأولى: ابتكاراته الأسلوبية في كتابة القصيدة الحرّة، مع إتقانه في الوقت عينه أشكالَ القصيدة التقليدية. الثانية: العالم السيكولوجي العميق لشعره ونمطه الشخصيّ والاعترافي. الثالثة: توظيفه عالَمَ الطبيعة في شعره بطرق مبتكرة ورائدة. هذه الميزات هي التي ضمنت له سمعة كواحد من أشهر الشعراء الأميركيين في القرن العشرين والأكثر انتشارًا.

على النقيض من شعرية الذّات، والمدرسة الاعترافية، التي انتمى إليها رتكي وشعراء آخرون؛ أمثال: روبرت لويل، وجون بريمان، وسيلفيا بلاث، وآن سكستون؛ تفرّدت الشاعرة إليزابيث بيشوب، وهي من مجايلي رتكي، بشعرية «المكان»، القائمة على الأسلوب الوصفي الدقيق والمجازي للعالم الخارجي، بعاطفة متحفظة وأحيانًا محايدة، لا تترك للقارئ منفذًا للتلصّص على حياتها الشخصية وعالمها الذاتيّ. كانت بيشوب رسّامة أيضًا، وهو ما جعل شعرها أشبه بالفنّ التشكيلي. في قصائدها، لا مجال لمعاينة انفعال المشاعر الهذياني الفوري، إنما هناك عَيْن متأمّلة في جوّ من الصفاء الذّهني، تركّز بدقة مدهشة على تسجيل انطباعاتها عن العالم الماديّ، عاكسةً فطنة حادّة وحسّ الشاعرة الأخلاقي. على غرار رتكي، حملها حرصها على براعة الصنعة، وإنشادها الكمال، على الكتابة بتأنٍّ شديد، والإقلال في النشر؛ فمجموع قصائدها المنشورة لا يتعدى المئة، لكنّ التألّق التقنيّ، والتنوّع الشكليّ لأعمالها، علاوةً على ما يستبطنه شعرها الموزّع على جغرافيات مختلفة، من سعي لامتلاك شعور بالانتماء، وما يجسّده من تجارب إنسانية للألم والحنين، بعيدًا من البوح العاطفي المباشر؛ جميع هذه العوامل جعلت لها مكانة متميّزة ومرموقة بين شعراء ما بعد الحداثة الأميركيين. 

 

بصمات ذهبية فيما وراء الترجمة

ارتأيت الكتابة عن أسماء قليلة بتبحّر وسخاء، بدلًا من مراكمة أسماء كثيرة في أنثولوجيا شعرية، تتناول تجارب مهمة باقتضاب وإجحاف. ولم أتجوّل في حياة هؤلاء الشعراء الستة وأشعارهم بمزاج سائحة، غريبة، مندهشة، تلتقط الصور الفوتوغرافية لآثارهم فحسب، بل أجدني صادقتهم وجدانيًّا، وانغمست في عوالمهم الذاتية، وشاركتهم عذاباتهم ومُتَعهم، ونظرت إليهم كشاعرة متورطة في شعرهم، وكقارئة مفتونة بسحر إنجازاتهم ومشاعرهم وأفكارهم وأحلامهم وأسرارهم ومواقفهم ومساراتهم ومصايرهم ومساكنهم وصداقاتهم. لكأنّي جلست مع ويتمان تحت تلك «السنديانة» الوحيدة في لويزيانا. لكأنّ أمواج البحر، اكتسحتني أيضًا، في نزهتي مع ستيفنز في «كي وست»، ومن ذهني وذهنه معًا سال ذاك «البلسم الذهبي». لكأنّي تمددت إلى جانب كيونتز في ذاك «القارب الطويل» الذي تهدهده اللانهايات، ومعًا صرخنا: «أبي، عُدْ، عُدْ، أنتَ تعرف الطريق». لكأنّي مع رَتْكي رقصت «رقصة الفالس» حتّى تخوم الجنون. روح مينا لُوْي المتمردة، العاشقة، المغامرة، أيضًا جعلت «كلّ خليّة في جسدي جِنِّيًّا صغيرًا»، وروح الخسارة المتوّجة بالكبرياء لدى بيشوب، عذّبت روحي إلى حدّ الألق، والتوهّج البركاني الدَّفين؛ فمثلها أنا، خسرتُ «مدينتين بهيتين، وبِضع ممالك، ونهرًا وقارّة»، ولكنّي غنمتها هي؛ غنمتُ سحرها، وأصداء «الوَقْع الحزين، لقبقابٍ خشبيّ» كان يُطقطق يومًا ما، في محطة ما، في مدينة ما، على خريطة ترحالها.

لم يأتِ اختيار النماذج الشعرية لهؤلاء الشعراء عبثيًّا؛ حيث حرصت على ترجمة القصائد التي هي من بين الأهمّ والأشهر لهم، التي تدلّل على خصوصيات أساليبهم وشعرياتهم. وقد اشتغلت بتأنٍّ وتفانٍ، مطاردةً المعاني الزئبقية، وموليةً موسيقا النصوص وإيقاعها الداخلي عناية فائقة، بحيث لا يضنّ المعنى الشعريّ بموسيقا النصّ، ولا العكس. ولن أخوض هنا، في الصعوبات المعهودة والمعروفة التي يواجهها المُترجم عادةً، في أثناء عملية النقل من لغة إلى لغة، ومن ثقافة إلى ثقافة، ومن ذائقة إلى ذائقة؛ حيث إنّ الترجمة، ولا سيما الترجمة الشعرية، تُواجِه عوائق «فوق لغوية» لنَقْل الإحساس الشعريّ وهو لمّا يزل راعشًا بعد، ومُخْضَلًّا، ونداوته تحلّ كالنِّعمة السماوية في النّفس. كيف ننقل البراعة ببراعة، والألم بألم، والهَوَس بهَوَس إلخ...؟ مَطِيَّتنا «الصِّدق»؛ بمعنى أن نقوم بترجمة النصوص بإحساس صادق بها، وتفاعل معها، يتجاوز المعنى السطحي، المباشر، للمفردات، إلى مرامٍ ومقاصد أعمق، بحيث تتفتّح أمام المترجم آفاق مشرقة وأسرار معتمة كان ليحجبها اتكاؤه فقط على ملكات وحذلقات لغوية. وتجدر الإشارة إلى أننا عرضنا هذه التجارب متسلسلة بحسب أعمار أصحابها، بدءًا بالأكبر سنًّا، مراعاةً لأثر كلّ تجربة فيما أعقبها. كذلك نُلفت إلى أنّ عنوان الكتاب اقتطفناه من قصيدة لبيشوب بعنوان «عاصفة رعديّة»، تاركين لخيال القارئ حرية تأويله، مع التنويه بأننا أردنا أن يحلّ شعراء كتابنا هذا، مكان «زوجات الدبلوماسيين» في القصيدة المذكورة، في تلك الحفلة القمرية القديمة، العاصفة، والممطرة لآلئ سماوية.

رَتْكي كان «اعترافيًّا» ومؤمنًا باللغة كوسيط، في حين ستيفنز شكّك في طاقاتها إنْ لم تتجنّح بالخيال. بيشوب ضدّ «الاعترافية»؛ مذهب المعذّبين في الأرض. كيونيتز مُعلّم خبير عاش منجذبًا إلى الأرض، ولكنّه لم يسمح للأرضيّ أن يسلبه السماويّ، ولا للواقع أن يسلبه الأسطورة. لُوي قدّست اللحظة الراهنة حتّى الثمالة، وويتمان وعد العِباد في كل البلاد، الذين يتساءلون عن ماهية العالم الجديد، وديمقراطية أميركا، بأن يرسل إليهم بأوراقه كيما يجدوا فيها مبتغاهم؛ (ويا ليت بلاده اليوم حذت حذوه، وبعثت لبلداننا العربية المتوسّلة بأوراق عشبه فقط، فلربما كانت تعينها على نيل حرياتها متفاديةً ديمقراطياتها الدموية). ما سلف، ليس إلّا جذوات من انطباعات لا تني تضطرم في رأسي بلا كلل. آمل أن يتسنى للقارئ معايشة هؤلاء الشعراء على غرار معايشاتي الطويلة لهم ولقصائدهم، فيخلّفوا بصماتهم الذهبية في عقله وقلبه، ويشحذوا روحه ومخيلته بأشعارهم الآسرة.

 آمال نوّار

Read more
Collapse

About the author

كتاب الفيصل: إصدار دوري مع مجلة الفيصل
Read more
Collapse
4.1
8 total
Loading...

Additional Information

Publisher
مركز الملك فيصل للبحوث والدراسات الإسلامية
Read more
Collapse
Published on
Mar 1, 2019
Read more
Collapse
Pages
188
Read more
Collapse
ISBN
9786039121503
Read more
Collapse
Read more
Collapse
Best For
Read more
Collapse
Language
Arabic
Read more
Collapse
Genres
Literary Criticism / Poetry
Poetry / American / General
Poetry / General
Read more
Collapse
Content Protection
This content is DRM protected.
Read more
Collapse

Reading information

Smartphones and Tablets

Install the Google Play Books app for Android and iPad/iPhone. It syncs automatically with your account and allows you to read online or offline wherever you are.

Laptops and Computers

You can read books purchased on Google Play using your computer's web browser.

eReaders and other devices

To read on e-ink devices like the Sony eReader or Barnes & Noble Nook, you'll need to download a file and transfer it to your device. Please follow the detailed Help center instructions to transfer the files to supported eReaders.
ليس من السهل الوقوف على جيل شعري كامل ممتد من الشرقية إلى الغربية، ومن الشمال إلى أقاصي الجنوب، مرورًا بمدن مختلفة من المملكة، فمشروع أنطولوجي شعري من مختارات متنوّعة -كانت ولا تزال حاضرة في المشهد الثقافي- كان تحديًا، وبخاصة في ظل غياب المواكبة النقدية الوافية من النقاد السعوديين الذين اشتغلوا بجيل سابق عليهم باستفاضة لا يمكن تجاهلها بينما أهملوا الجيل اللاحق تاركين نصوصهم للقطيعة المعرفية مع القرّاء.
حين بدأت الاشتغال بهذه المختارات، وضعت نصب عيني المنهجية التي سأنطلق منها، فاخترت أن أسلّط الضوء على الجيل الشعري الشبابي في المملكة، المولودين تحديدًا في عام 1985م، وما بعده، وذلك لعدة أسباب؛ لعل من أهمها حصر التجارب الزمنية في جيل واحد؛ كي أستطيع رصدها وجمع مختاراتها، إضافة إلى قناعتي بأن هذا الجيل يمتلك قلقه الخاص، ونصه المختلف، واشتغاله المغاير الذي كسر من خلاله صنمية المجايلة، مطلِّقًا كل علائق الاتصال مع آبائه الكلاسيكيين. إنه جيل لم يؤدلج، ولم تشتغل قصيدته بالتحزبات والأيديولوجيات التي سكنت قصائد شعراء القرن الماضي. بل كانت له اهتماماته المختلفة الناتجة عن واقع هو الآخر مختلف؛ ولهذا اخترته.
ولإيماني بأن المنتج الشعري السعودي المعاصر يصبّ معظمه في قصيدتي التفعيلة والنثر؛ استبعدت قصيدة العمود، لا لشيء سوى أنها أصبحت قصيدة مرسّخة من جـهة، وكذلك لقلة الـمشتغلين بها بصورة حداثية مدهشة من جهة ثانية، فلم أجد -قبل وفي أثناء حفري وبحثي طوال مدة إعداد هذا الكتاب- سوى أصوات شعرية قليلة جدًّا على مستوى المملكة ما زالت تنذر نفسها للشعر العمودي من دون سواه. بينما كان أغلبية هذا الجيل قد وطّنوا أنفسهم وتجربتهم في أشكال الشعر الحديث من عمودي وتفعيلة ونثر.
في الحقيقة، وجدت شعراء رائعين من هذا الجيل ينتمون إلى مناطق مختلفة من المملكة، لكني –مع الأسف- لم أقم بإدراجهم ضمن هذه المختارات، وكنت أودّ أن أفعل غير أن المشروع كان محكومًا بمساحة ورقية محددة من «مجلة الفيصل» الغرّاء؛ مما جعلني مضطرًّا إلى المحاصصة المناطقية المتنوّعة؛ لتقديم التجارب بناءً على تنوّع المناطق الجغرافية في المملكة. ولولا أنني قمت بهذه المحاصصة لكان في مدينة جازان أو الشرقية وحدهما أكثر من ثلاثين شاعرًا فذًّا يمتلك صوته الخاص، وتجربته الفريدة.
ومع ذلك فإن القارئ الكريم سيلاحظ في المختارات غياب شعراء بعض المدن التي حرصت على أن تكون حاضرة؛ مثل: القصيم –على سبيل التمثيل لا الحصر- فبعد تواصلي المباشر مع نادي القصيم الأدبي، ومع بعض مثقفيها والأكاديميين في جامعتها لم أخلص إلى اقتراح منهم بأي تجربة من تجارب شعرائها الشباب. وتأتي هذه النتيجة غير منسجمة مع قناعتي الأكيدة بأنها أرض ولود للمثقفين والمبدعين والأدباء والشعراء.
وهنا، لا بدّ لي من الإشارة إلى الشعراء الشباب الذين ولدوا وعاشوا في المملكة، لكنهم لا يحملون جواز سفرها؛ مثل: جلال الأحمدي، وإبراهيم مبارك، وعبدالله عبيد، ومحمد الضبع، وغيرهم. إنهم شعراء سعوديون بأخوة الطين والثقافة والوطنية التي لا يزايد عليهم فيها أحد. ولكن، كان عليّ استثناؤهم –وفي القلب حسرة- على الرغم من قاماتهم الشعرية الثرية التي يشهد لها النقاد السعوديون أنفسهم. فالمشروع -كما أسلفت- مهتمٌّ بإطار ثقافي محدد لا يمكن تجاوزه في حال من الأحوال.
وبناءً على ذلك، جرى اختيار الشعراء، مبينًا في سيرتهم الأدبية المختصرة تاريخ الميلاد ومكانه، إضافة إلى الإشارة إلى إصداراتهم الأدبية –إن وجدت- وكذلك ما نالوه من جوائز عربية أو محلية، بالقدر المتاح الذي تتسع له المساحة التحريرية للكتاب.
زكي الصدير
مشاركة الشغوفين شغفهم

في هذا العـدد نـتـفاعل مع مهرجان أفلام السعودية، الذي نـظمـته جمعية الثقافة والفـنون بالدمام مطلع شهـر مارس 2016م، تـحـت شعار «في لمح البصر» إذ إنه من المتعذر على أي راصد للحركة الثقافية والفنية في المملكة تجاهل الشغف الذي تبديه شريحة واسعة من السعوديين على اختلاف أجيالهم بفن السينما، وعليه فقد جرى تخصيص كتاب الفيصل لنشر عدد من السيناريوهات التي شاركت في مسابقة أفلام السعودية؛ إذ تعاونت إدارة المهرجان مشكورة مع «الفيصل»، ودعم مدير المهرجان الشاعر أحمد الملا الفكرة، وكتب التقديم لمشروع الكتاب، ثم رشح مسؤول مكتب التحرير في المهرجان علي الدواء؛ ليسهم في الإعداد، وبعد نقاش ومداولات حول السيناريوهات التي تم ترشيحها للنشر في الكتاب، استقر الرأي على أربعة منها.

سيلاحظ القارئ تفاوتًا في السيناريوهات التي يضمها الكتاب، من ناحية الاختلاف في اللغة والمضامين والمستويات الفنية والآليات الكتابية. وبعيدًا عما يحققه السعوديون في مضمار السينما الوليدة بشكل عام؛ فإن الهدف من هذه الخطوة هو مشاركة هؤلاء الشغوفين شغفهم، وتشجيع صناع السينما الشباب والشابات، والإسهام في تعميق المعرفة بهذا الفن، والتركيز في السيناريو بصفته دعامة أساسية في صناعة الفلم، وهو ما يمثل تأكيدًا للرؤية الجديدة التي تبنتها المجلة بدءًا من العدد الماضي، وتنفتح فيها على شرائح جديدة من القراء، كما تعتني بفنون وتجارب وكتابات تعبّر عن اللحظة الراهنة التي نعيشها اليوم.

اهتمامنا بالحكي الشعبي لم يكن يومًا وليد المصادفة. كان مرتبطًا بأواصر اهتمامنا بكتابة القصة القصيرة والرواية، وبحثنا الدؤوب عن الأساليب التي تُروى بها القصص. وقد أدى بنا هذا المسار إلى أن نتعرف عالـمًا زاخرًا بالحكايات الواقعية والمتخيلة في أدبنا القديم (فلنتمثل ما كتب ابن المقفع وأبو حيان التوحيدي والجاحظ، وما ارتبط بالسير الشعبية، مثل: سيرة سيف بن ذي يزن، وألف ليلة وليلة، والسيرة الهلالية، وعنترة)، والحديث (فلنتذكر طه حسين، ونجيب محفوظ، والمويلحي، ومن المتأخرين خاصة: يحيى الطاهر عبدالله، وإبراهيم أصلان، وعبده جبير، وجمال الغيطاني)، وفي الأدب العالمي (لا شك أن الاسم الذي أثار الانتباه لدينا هو الروائي البرازيلي باولو كويلهو صاحب «الخيميائي»، وقد استلهم في هذه الرواية حكاية من الليالي العربية) وكل ما يمتّ بصلة للمحكي الشعبي. وقد أنجزنا بحثًا لنيل الإجازة نهاية ثمانينيات القرن الماضي كان موضوعه هو: (المحكي الشعبي: بحث في الواقعية والعجائبية)، واخترنا نماذج صدرت عن أفواه نساء ورجال استعنّا بهم، فازداد إعجابنا بهذا العالم المنسيّ في الثقافة العربية. فأنتَ إن قرأتَ أو استمعت إلى قصص الحيوان أو الجن والجنيات والعمالقة والخوارق، عثرتَ على المرآة التي ترى نفسك فيها. يمكن عدّ هذا المجال متنفَّسًا تجد فيه الذاتُ روحَها وجسدَها وتشكلها وأحلامها. أحيانًا نمثل دور الأسد، وأحيانًا أخرى نمثل دور القرد أو الكلب أو القط أو الثعبان...، والثقافة المتداولة عن الألقاب الموازية للأسماء في الأحياء الشعبية تبرهن على صدق هذه الفكرة.
في هذا الكتاب نقرأ حكايات عن الحيوانات في الغابات الإفريقية (من دون تسميتها، فهي غابات تبدو عالمية) والإنسان في الوقت عينه. الإنسان هو الكائن الأول الناطق الذي عاش في الأزمنة الغابرة، وهو كذلك بلا اسم أو جنسية. حكايات عن الأسد ملك الغابة، وهي صفة صارت ملازمة له في أي مكان، والفهد، والظبية، والثعبان، والأرنب، والصقر. أحيانًا كلٌّ يعيش في مدينته، في كوخه أو منزله، وأحيانًا أخرى يعيشون مجتمعين، لكن لا بد أن يدبّ خلاف يجعل كل واحد منهم يرى أنه لا بد من العودة إلى العالم الخاص؛ إلى الذات والجسد، كأن هذه الحكايات تترجم سُنة الحياة وقاعدتها التي ترى أنه لا يمكن للوحشية والمدنية أن تتجاورا، أو يتجاور القتل والسلام، أو يتساكن الدمار والعمران. عالم الغابة والجبال والسافانا (وهو عالم غريب وعجيب يمثل رمزيًّا العالم الأول؛ عالم الحرية والسفر واللاحدود) لا يزال في أي حكاية دمويًّا، فوضويًّا، لكنه في حاجة إلى السلام والنبل والصدق. بعبارة أخرى: هو في حاجة إلى القيم حتى يرتقي سلم الحضارة. لكنه في هذا العالم يبقى عالـمًا وحشيًّا قد يمثل متنًا لموعظة الإنسان. لهذا يجوز لنا أن نعدّ الحكاية دومًا مرآة نرى فيها ذواتنا؛ ذواتنا التي لا تزال مشطورة إلى نصفين، وهي تعاني تناقضات نفسية وروحية.

©2019 GoogleSite Terms of ServicePrivacyDevelopersArtistsAbout Google|Location: United StatesLanguage: English (United States)
By purchasing this item, you are transacting with Google Payments and agreeing to the Google Payments Terms of Service and Privacy Notice.