وتبدو آثار هذه التحولات بوضوح في خمسة مجالات محددة: تكامل الاقتصاديات الوطنية في اقتصاد عولمي واحد خارج عن السيطرة، تجزئة المجتمعات المختلفة إلى فئات ثقافية اجتماعية متنافسة وأحياناً متصارعة، تقسيم بعض الكيانات السياسية إلى دويلات متناقضة الأهداف والسياسات، تعميق فجوتي الدخل والثروة داخل كل دولة وبين الدول، وحدوث تفاعل ثقافي وتواصل عبر الحدود السياسية والتقاليد المجتمعية. وفي ضوء استمرار هذه التحولات وتسارع وتيرتها، فإن الدولة القومية دخلت مرحلة من الضعف تتصف بفقدان السيطرة على الاقتصاد الوطني، وتفكك نسيجها الاجتماعي والثقافي، وتعرض هويتها الوطنية إلى التصدع.
من ناحية ثانية، أدت تلك التطورات إلى زعزعة الدعائم الرئيسية لنظم الحكم الديمقراطية التي تتشكل أساساً من تعددية سياسية، وطبقة وسطى، وصحافة حرة. إذ فيما تتم تجزئة المجتمعات إلى فئات اجتماعية ثقافية متنافسة، يتقلص حجم الطبقة الوسطى وتضعف ثقتها بالنفس وما لديها من وعي طبقي. أما حرية الصحافة فلم يعد لها وجود يذكر في بعض المجتمعات مثل المجتمع الأمريكي بعد أن هيمن المال على مؤسسات الإعلام وحولها إلى مؤسسات تجارية تسعى لتحقيق الربح على حساب كل قضية أخرى. نتيجة لذلك أصبحت مؤسسات الحكم الديمقراطية غير قادرة على أداء دورها المجتمعي وتحقيق رسالتها القائمة على العدل والمساواة وتكافؤ الفرص.
إن حدوث تغيرات بهذا الحجم والعمق يوحي بأن العالم دخل فترة انتقال حضارية تفصل الماضي القريب عن المستقبل الأقرب. وهذه فترات تتصف بضبابية الرؤية ودخول المجتمعات المعنية مرحلة من التخبط، ينتهي معها وعندها تاريخ الحقبة الماضية ومنطقه وحكمته. وهذا يقود إلى شعور الناس بالقلق وفقدان القدرة على فهم ما يجري حولهم من تطورات، خاصة وأن ما كان لديهم من أدوات تحليل لم تعد قادرة على فهم الواقع أو تخيل المستقبل، وبالتالي غير صالحة لإدارة شؤون الحياة وصنع مستقبل أكثر استقراراً وأمنا. لهذا نلاحظ أن كل مجتمع تقريباً، بغض النظر عن مدى تقدمه، يواجه تحديات عويصة ذات أبعاد متعددة يصعب عليه تعريفها بدقة والتعامل معها بكفاءة.
يحاول هذا الكتاب شرح تعقيدات المرحلة الانتقالية التي نمر بها اليوم، وتحليل خارطة الطريق القديمة في ضوء ما يعيشه العالم من تحولات وتوقعات مستقبلية، وتقديم نظرية جديدة تفسر عملية تطور المجتمعات الإنسانية عبر التاريخ. وهذا من شأنه أن يساعدنا على فهم كيف وصلنا إلى هذه النقطة، وما هي معالم الطريق إلى المستقبل، وكيف يمكن لنا تطويع عوامل التغير التاريخية لتتجاوب مع طموحاتنا. ولما كانت الخرائط المجتمعية معقدة وتشمل مختلف أوجه الحياة، فإن الكتاب سوف يقوم بتحليل عدة قضايا ونقد بعض النظريات التاريخية والنظم المجتمعية واستقصاء مدى صلاحيتها، بما في ذلك الثقافة والفكرة الايديولوجية، والديمقراطية، وتحديد علاقة هذه المفاهيم والفلسفات بعملية التغير والنهضة.
وآمل أن يساهم هذا الجهد في تعزيز قدراتنا على فهم الماضي والحاضر واستشراف آفاق المستقبل، وتمكيننا من الإسهام بفاعلية في صنع مستقبل أكثر عدلاً وأمناً واحتراماً لكرامة الإنسان في كل مكان.