هنا تقفز الكاتبة من سياج المبنى التقليدي للقصة القصيرة، لتؤسس عمارات سردية أكثر حداثة، وأعمق جرحاً، وأرحب إيحاءً وتلميحاً. فتبني قصصاً أصغر حجماً؛ لكنها أوسع دلالة وألذّ حِرَفيّة في الاقتصاد اللغوي. وهي ما زالت محافظة على بساطة اللغة المتداولة، ومقومات الحكاية المألوفة، غير أنها مَنْهجت هذه اللغة بأسلوب تقني شجاع، هو المفارقة وكسر التوقع، أو ما يمكن تسميته الانتصار على خاتمة القصة، بضربة الفرشاة الأخيرة، التي تجعل المتلقي مبعثراً، بالذهول والاستغراب اللذيذ؛ أي ملْتفاً بالمتعة الباهظة.
والجديد المهم في هذه المجموعة، هو استثمار الكاتبة، لأحداث الحروب وويلاتها، واقتناص مشاهد الفجائع وتصويرها، بطرائق شتى من الإيماض النبيه الذي تنحاز معانيه إلى نصرة الإنسان والخير وقيم المحبة والجمال. أما الجديد المدهش فيها فهو بطولة الأنوثة فالمرأة بطلة لأكثر من ثلثي قصص المجموعة. وهي بطولة الألم النسوي أمام سلطة الذكورة وأنانيتها عند أغلب الرجال، وأمام سلطة المجتمع وسطوة الزمن وبشاعة الأعراف المجتمعية التي تجعل المرأة مغموسة بالجراح والعزلة والأنين السراني الفتاك فهي الأرملة المهجورة، والمطلقة المظلومة، والصبية التي تحترق بثقافة العيب، وهي في الوقت نفسه المجاهدة الصبورة، والمربية الفاضلة، والأم المتفانية، والحبيبة المحطمة. أو قل هي المعادل الموضوع للشجرة التي تثمر الفاكهة وتنشر الظلال فيقابلها من حولها بالعقوق وكسر أغصانها ونكران ظلها، لا، بل يتخذ الآخرون غصونها أيادي لفؤوسهم التي تقطع الشجر نفسه.
في هذه المجموعة أنين عظيم وأحلام متناثرة كشظايا الحطب المحترق، وثمة جسارة جميلة في أنسنة النباتات والحيوان وتبادل الآلام الجوانية بين الإنسان ولا سيّما المرأة، وطباع الكائنات. فالمرأة التي تعبت وهي تبحث عن مصدر المواء في بيتها، تفيق قليلاً فإذا المواء ليس من قطة، إنما هو مواء الألم في صدرها. والمرأة نفسها التي اعتادت أن تسرد حكاياتها للقط الأسود في بيتها استيقظت وقد وجدت هذا القط شائخاً يملأ الشيب رأسه جراء تعاطفه مع أحزان صاحبته.
سحر ملص ترقص رقصة الزنبقة التي يمدُّ إليها البستاني مقصاً، فتستجير ببراءتها وطفولة أحلامها، وتستكين لنهايتها برضا وكبرياء جريحة وبما يشبه نحلة جميلة تموت فوق وردة مسمومة أو فراشة تعاتب برفيفها سراجاً أحرقها.